أقوال المعمرين – أنيس منصور – الشرق الأوسط
ديسمبر 8, 2008 at 11:11 م أضف تعليقاً
عندما سئل برنارد شو: كيف بلغت التسعين؟ كان جوابه الحاد: لا شيء.. لا آكل لحوم الحيوانات وأستطعم لحوم البشر!
ويقول: إنه هكذا كان نباتيا!
ولما سئل الفيلسوف برتراند راسل: كيف بلغ التسعين؟ قال: لم أتوقف عن البحث عن السعادة العقلية. أي أنه كان فيلسوفاً كل الوقت!
ولما سألوا تشرشل: وكيف بلغت الثمانين؟ قال: السيجار في فمي والفرشاة في يدي والنوم ساعتين بعد الغداء!
وسئل عشرات المعمرين فقالوا: النوم المبكر..واللبن الزبادي.. وعدم شرب الخمر.. وعدم التدخين..
ولما سألوا عازف التشيلو العالمي الذي بلغ الرابعة والتسعين من عمره: كيف وصلت إلى هذه السن وما تزال بهذه الصحة! بسرعة أمسك آلة التشيلو، وكأنه يريد أن يمسك الخشب حتى لا تصيبه العين وقال: لا معجزة في ذلك.. فأنا منذ ثمانين عاماً أصنع نفس الشيء.. أعزف ساعتين في اليوم. وأشعر أن كل يوم هو يوم جديد. وأن الذي أراه أمامي قد ولد لأول مرة. وأجد لذة في الطعام وفي الشراب. وأعيد النظر والسمع والشم واللمس لكل ما حولي.. هذا المقعد تأملت ألوانه كل يوم.. ومررت بأصابعي عليه كل يوم.. وكذلك كل ما في هذه الدنيا.. أنني أولد كل يوم لأن كل شيء حولي يولد كل يوم.. والإنسان يعيش أطول إذا كان حاضراً دائماً. إذا لم يغب عن الحياة، وإذا جعل الحياة لا تغيب عنه.. فالموسيقى ليست واحدة والطبيعة ليست واحدة وأنا لست نفس الشخص الذي كان بالأمس والذي يكون غداً، وإذا مت فمعنى ذلك أنني توقفت عن التجدد وأن جسمي لم يعد قادراً على أن يلدني! فقط هذا ما أعمله!
وكأنه قال شيئا سهلا يمكن لأي إنسان أن يفعله.. إنها موهبة عظيمة أن يولد الإنسان مرة واحدة ولكن أن يولد كل يوم هذه إحدى المعجزات!
وعندما سئل رجل من الدقهلية تجاوز المائة عام أجاب: لا يهمك من الناس ومن مصائب الناس ومن الحياة ومن مصائب الحياة التي هي الناس.. كلام معقول.. ولكن كيف؟
قليلون في هذه الدنيا يستطيعون أن يفعلوا ذلك فإذا فعلوا طالت حياتهم.. ولكن أي حياة هذه؟!
حفظت القرآن…
حفظت القرآن الكريم صغيراً ككل أبناء الريف في زماني. لا بد أن نحفظ القرآن قبل أن ندخل المدرسة، أي نحفظه ونحن لا نعرف القراءة والكتابة. واستغرق ذلك ثلاث سنوات. نقرأ هكذا. سيدنا ـ أي أستاذنا ـ يجلس على مصطبة ويقول: يا ولد يا أنيس استعذ بالله واقرأ سورة «الرحمن».. فأقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم: «الرحمن.. علم القرآن. خلق الإنسان. علمه البيان.. الشمس والقمر بحسبان.. والنجم والشجر يسجدان. والسماء رفعها ووضع الميزان. ألا تطغوا في الميزان».. ويقول: صدق الله العظيم.. تعرف يا ولد أن النجم والشمس يسجدان. فلا أرد لأنني لا أعرف ولا أحد من الأطفال زملائي. ولا يعود سيدنا إلى هذا السؤال أو أي شيء آخر..
ولا أدَّعي عندما كبرت أنني استوعبت كل معاني القرآن ولا أنني تعمقته. ولكن أحياناً أعود إذا أحسست أنني نسيت آية أو أكثر. ومن العجيب أنني أجد آيات جميلة كأنني أقرأها لأول مرة. وخطرَ لي أن أختار مثل هذه الآيات البليغة، وأصدرها في كتاب. واخترت. وترددت في إصدار الكتاب لأن كلمة «اخترت» لا تليق بكلام الله.. كيف أختار وأقول يعجبني أو لا يعجبني. ولكن احتفظت بالكتاب دون عنوان ودون مقدمة. وإنما فقط الآيات التي أرى فيها الروعة والبلاغة والسرعة. والإعجاز في أن تقول مثلها. وبس!
ولكن في يوم وقفت على حيلي، وجدت آية كأنها اكتشاف وكأنني لم أحفظها. وإن كنت حفظتها واحتجت إلى عشرات السنين من التجارب لكي أعرف هذا الاكتشاف العلمي البليغ.
ففي سورة التغابن (الآية 19) يقول الله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدواً لكم. فاحذروهم وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم»، هذا اكتشاف علمي فعلا. فليس بديهياً أن الزوجة تحب وأن الأولاد يحبون ولا يقتلون، بل الزوجة وتحت وطأة الضغوط تبدو مستعدة لذلك. وأروع صورة لذلك العنكبوت المسمى «الأرملة السوداء».. إنها تأكل الذكرَ أثناء الجماع.. ثم تبيض فوقه حتى إذا ظهر صغارها أكلوا أباهم. وتفعل ذلك طوال حياتها. فالزوجات يفعلن والأبناء أيضاً.. ويقول «وإن تعفوا»… الخ. هذا حدث ولكننا لا نغفر ولا نعفو، لأننا بشر يا الله!
لكني لا أسأل أحدا
قلت لشاب: أحكي لك قصة الموسيقار العبقري موتسارت.
جاءه شاب سأله: كيف أكتب سيمفونية؟
قال له موتسارت: أنت لا تزال صغيراً فابدأ بالأغاني.. قال الشاب: ولكنك كنت تكتب السيمفونية وأنت في العاشرة من عمرك!
رد عليه موتسارت: ولكني لم أسأل أحداً..
قال الشاب: لا أفهم!
أجاب موتسارت: وجدت نفسي قادراً على أن أكتب فكتبت دون توقف.. فلا تفعل شيئاً حتى تجد نفسك عاجزاً عن إيقاف تدفقك الإبداعي.. وليكن شكل الإبداع ما يكون!
فأنت إن كنت تريد الكتابة فاقرأ واقرأ وتأمل.. وتفرج على ترتيب الألفاظ وتراكيب الجمل وانسيابها من معنى إلى معنى. وتنقل بعينيك بين الأساليب المختلفة وعلى مهلك بعد ذلك!
وإن كنت تريد أن تكون مطربا فاسمع واسمع ليلا ونهارا وانشغل تماما.. وحاول أن تردد نفس الأغاني كما هي أول الأمر.. ثم تصرف فيها بالطريقة التي تعجبك، ولكن يجب أن تنحني خاشعاً أمام الكبار: سيد درويش وعبد الوهاب وأم كلثوم وفايزة وفيروز والموجي وبليغ والطويل وعبد الحليم ومحمد قنديل ومحمد فوزي وفريد الأطرش.. ولا ترفض أحمد عدوية لأي سبب.. فصوته قوي وأداؤه سليم وهو أحسن الأصوات التي تصادفك، وإن كان كلامه فارغاً فهو الذي اختار السكارى في الكباريهات جمهوراً له!!
وإن كنت رساماً فلا ترفع عينيك عن اللوحات.. واذهب إلى كل معرض واستمع إلى كل فنان.. وتأمل مزيج الألوان وحركة الفرشاة..
فلا بد من تثقيف يديك وعينيك وأذنيك طويلا وكثيرا وعميقا!
ولا تقلق.. فسوف تمتلئ نفسك أو عقلك أو قلبك أو معدتك.. إنه شيء ما في داخلك، لا أعرف مكانه، سوف يمتلئ وسوف يفيض في أصابعك وفي حنجرتك ومن أذنيك وعينيك ويقظتك وأحلامك.. وسوف يستغرقك كل ذلك.. فلن تسأل أحداً ما الذي يناسبك.. وكيف ومتى وأين؟ وإنما سوف تصبح حياتك إجابة عن ألوف من الأسئلة التي لم تخطر على بالك وسوف تكون في داخلك، في مكان ما، في وقت ما، لسبب ما: قوة لا تعرف ما هي.. تستولي عليك وتجعلك لسان حالها ومتحدثاً رسمياً..
لا تتعجل.. لا تغتصب البداية.. لا تفتعل فيضاناً لم يحن وقته بعد.
إلى الريف
قرأت لكاتب صيني أنه من العدل أن يذهب كل أبناء المدن إلى الريف شهرا كل عام، بشرط ألا يقيموا في قرية واحدة..
المعنى: أن أبناء المدن وخاصة المثقفين، هم من أكسل خلق الله.. إنهم يتمددون على المقاعد أو على السرير أو يلتصقون بمكاتبهم ويكتبون من الذاكرة..
المعنى: أنهم لا يملكون إلا معلومات قليلة عن بلادهم يقلبونها يمينا وشمالا من دون أن يعرفوا أن تطورات هائلة قد طرأت على الأرض والناس.. فإذا كتبوا فهذا الذي يكتبونه هو قمة التناقض.. فهم أبناء القرن الواحد والعشرين يكتبون عن مشاكل القرن العشرين..
صحيح كل ما قاله الكاتب الصيني.. وصحيح أننا لا نعرف الكثير عن مشاكل الريف والأغلبية البعيدة عن العاصمة، فقد أصبحت دنيانا هي الناس من حولنا.. من أبناء طبقتنا ومهنتنا.. أما عشرات الملايين أصحاب المصالح الحقيقية، فهم بعيدون عن العين والقلب والقلم..
وقد أحسست بصدق ذلك وأنا استمع إلى عدد من المهندسين الألمان، تنقلوا في المجتمعات الصناعية الجديدة.. واحد قال لي: أحسست كأنني في ألمانيا.. المصنع نظيف، كل شيء يمشي بسرعة وبهدوء.. نظرت إلى الوجوه.. إنها مصرية صميمة. أمام المصنع وقفت سيارات جديدة نظيفة والشارع كان نظيفا خاليا تماما من الناس لا أحد يمشي، فالكل يعمل. أين الناس؟ في المصانع، أين الضوضاء.. أين التلوث.. أين المطبات.. أين الكلاب الضالة؟ لا شيء من كل ذلك..
وقال واحد آخر: والأشجار والعشب والأرصفة والمصابيح في الليل جميلة والأضواء قوية.. وهناك مصابيح أخرى هادئة.. هل هذه مصر؟! هل الذين يعيشون هنا هم أنفسهم الذين يعيشون في القاهرة؟! إن القاهرة حالة مرضية.. وهنا الصحة والجمال والنظام والنظافة.. هنا المدن الجديدة..
ومهندس ثالث يؤكد أن أكثر المصريين لم يروا مدينة العاشر من رمضان أو 6 أكتوبر.. إنها مفخرة لمصر.. مهندسين وعلماء ورجال أعمال..
المعنى: إذا أردت أن تضيء صورة المستقبل أمامك، وفي نفسك وبين أسرتك، فأذهب وتفرج.. ففي مصر: صناعة وطاقة وإنتاج وإبداع وطموح..
الدورا ن فوق
وجدتني مع أربعة من رواد الفضاء الأمريكان والعالم المصري فاروق الباز. ولاحظت أنهم يقتسمون الطعام معا. ولم يكن الطعام سوى أوملت والجبنة والكرواسان. وأدهشني المنظر. ولكن قلت لعلهم اعتادوا على ذلك في رحلاتهم حول الأرض. يقتسمون الطعام والشراب والسهر.
ولكن اندهشت جدا عندما عرفت أن هؤلاء الرواد قد جاءوا إلى بلادنا على حسابهم، لأن هيئة الفضاء الأمريكية لا تنفق عليهم. فهم متطوعون!
وحكيت ليوسف السباعي وزير الثقافة في ذلك الوقت أن يستضيف هؤلاء المساكين. فاستضافهم. وطلبوا منا أن يذهبوا إلى الكباريه ليشاهدوا الراقصة المصرية نجوى فؤاد بعد أن رأوا صورتها الفارعة. وذهبنا إلى الكباريه وفجأة فوجئنا برواد الفضاء يرقصون مع نجوى فؤاد ـ مع أنهم لم يروها قبل ذلك ولا حتى سمعوا الموسيقى الشرقية. إنهم انطلقوا على حريتهم. وصفق لهم الناس، فلم يروا قبل ذلك روادا للفضاء يدورون حول راقصة مصرية..
وسألتهم إن كان الدوران حول الأرض أجمل من الدوران حول نجوى فؤاد. فقالوا: بل الدوران حول نجوى فؤاد أجمل وأمتع؟!
وسألت مرة أخرى أيهما أفضل الدوران هنا أو الدوران في السماء!
فقال الأربعة معا.. بل الدوران فوق أفضل.. لأننا سوف نأكل ونشرب على حساب الحكومة الأمريكية!
الطبيب الناجح
في كتاب بعنوان: كيف تكون طبيبا ناجحا.. أي كيف تكون طبيبا قادرا على تخفيف آلام مرضاك. وقد ينجح الطبيب لأسباب غير طبية، كأن يكون اجتماعيا أو لطيفا ظريفا مع مرضاه.. ولكن من الضروري أن يكون طبيبا وأن يعرف جيدا أن المرض ليس جسميا فقط. فالمرض الجسمي من الممكن أن يؤدي إلى آلام نفسية، ومن الممكن أن تؤدي الآلام النفسية إلى أوجاع اجتماعية. فالمرض: جسم + نفسي + علاقات اجتماعية..
وقد كان بقراط الحكيم أسبق إلى تحقيق النجاح مع المرضى.
فقد كان من عادته أن يزور مرضاه وسط أولادهم وأقاربهم، ليعرفهم أكثر وأوضح. فكثير من المتاعب سببها الظروف الاجتماعية للأب والابن والزوجة، ولذلك كان بقراط الحكيم يبدأ العلاج بلقاء المرضى في بيوتهم. وهو ما لا يستطيعه أي طبيب آخر اليوم..
ولكن من الضروري أن تدخل في حسابات الطبيب هذه العلاقات العائلية أو المشاكل العائلية..
ولذلك كان الجلوس مع المريض وسؤاله عن حاله قرارا مهما في التشخيص أملا في العلاج..
ولذلك فبقراط الحكيم أقرب إلى العقلية الشرقية من العقلية الأوروبية. فالروابط العائلية عندنا أفضل من العلاقات الأوروبية التي تقوم على الفردية.. ولذلك كانت علاقة الطبيب بأفراد أسرة المريض ضرورة علاجية.. وبقراط الحكيم عنده قاعدة تقول: قل لي من أنت ومن هو أبوك وأخوك وزوجتك، أعرف كيف أعالجك؟!
Entry filed under: ANIS MANSOUR أنيس منصور. Tags: .
Trackback this post | Subscribe to the comments via RSS Feed